اسماعيل بن محمد القونوي
23
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الزائغين ولم يؤت فأما الزائغون مع أنه أوجز لأن ما اختير في النظم فيه مبالغة من وجهين أما الأول فلأن التعبير بالموصول أولا لكونه مجملا فيه تشويق إلى البيان والثاني أن في قلوبهم يفيد أن الزيغ تقرر في قلوبهم واستولى عليها بحيث لا يرجى النجاة والخلاص عن تلك البليات . قوله : ( عدول عن الحق ) أشار إلى أن الزيغ أخص من الميل نقل عن الراغب أنه قال الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين وزاغ وزال ومآل متقاربة لكن زاغ لا يقال إلا فيما كان عن حق إلى باطل انتهى . وتنكير زيغ للتحقير أو للتفخيم والأول أبلغ . قوله : ( كالمبتدعة ) أي كالطائفة المبتدعة سواء كانت بدعته مؤدية إلى الكفر كالمجسمة أولا « 1 » . كالمعتزلة في بعض أقاويلهم قيل هم اليهود « 2 » حيث أولوا حروف التهجي بمدة بقاء دين رسولنا عليه السّلام وقيل وفد نجران حيث حملوا كلمة اللّه وروح منه على أنه آلة فقوله كالمبتدعة إشارة إلى العموم لعموم اللفظ للكل والتخصيص إخراج الكلام عن ظاهره بلا داع فقوله أحسن من قول الكشاف وهو أهل البدع . قوله : ( فيتعلقون بظاهره ) هذا ناظر إلى قوله ابتغاء الفتنة قوله ( أو بتأويل باطل ) ناظر إلى قوله وابتغاء تأويله لكن ابتغاء الفتنة يتحقق بالتعلق بظاهره أو بتأويل باطل فكلمة أو لمنع الخلو قيل هذا مأخوذ من الحصر المفهوم من التقابل إذ معناه أنهم يتبعون المتشابه وحده بأن لا ينظرون إلى ما يطابقه من المحكم ويردوه إليه فالتعلق بالظاهر الغير المطابق للمحكم كان يتعلق بظاهر قوله تعالى : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح : 10 ] الآية فيضل ويضل قوله أو بتأويل عطف على قوله بظاهره أي فيتعلقون بتأويل باطل بأن يتركوا الظاهر ويؤولونه بتأويل تابع لهواهم غير مطابق لما نطق به المحكم كان يؤول قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] بأن العرش نوعه قديم فاللّه تعالى متمكن فيه تمكن ذي المكان في مكانه كما نقل عن ابن تيمية « 3 » من أصحاب الحديث مع علوه في العلوم النقلية والعقلية لكنه ممن اتبع هواه وأضله اللّه على علمه وهو من غلاة المجسمة قال الجلال الدواني في بحث الحدوث وقد رأيت في بعض تصانيف ابن تيمية القول به في العرش أي القول به بقدم العرش بجنسه . قوله : ( طلب أن يفتنوا الناس ) أي مفعول الفتنة محذوف قوله ( عن دينهم ) تعدية الفتنة بعن بتضمين معنى الصد أو الفتنة بمعنى الضلال قال صاحب الكشاف أن يفتنوا الناس ويضلوهم ولما كانت الفتنة في الدين أعظم الفتن فسرها به .
--> ( 1 ) أشار به إلى أنه أعم من المسلمين . ( 2 ) لما روي أنه عليه السّلام لما أتاه اليهود تلا عليهم ألم البقرة ( فحسبوه ) وقالوا كيف ندخل في دين مدته إحدى وسبعون سنة إلى آخره نقله المص في أوائل البقرة . ( 3 ) أبو العباس أحمد له وأصحابه ميل عظيم إلى إثبات الجهة ومبالغة في القدح في نفيها كذا قال الجلال الدواني .